الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

207

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مقرونة بالآلام والأسقام . وأنت حل بهذا البلد لم يرد ذكر " مكة " في الآية صريحا ، لكن الدلالات تشير إلى أن المقصود بالبلد مكة ، فالسورة مكية ، وأهمية هذه المدينة المقدسة لا تبلغها مدينة ، والمفسرون مجمعون على ذلك . أرض مكة مشرفة ومعظمة ، لأن فيها أول مركز للتوحيد ولعبادة الله سبحانه ، وكان هذا المركز مطاف أنبياء الله العظام . . . ولذلك أقسم الله بها . . . ولكن السورة تشير إلى عامل آخر أضفى على هذه المدينة شرفا وكرامة : وأنت حل بهذا البلد . . . فالبلد استحق أن يقسم به الله لوجودك أنت أيها النبي الكريم فيه ! فلا يتصورن كفار مكة أن القرآن يقسم ببلدهم تكريما لهم ولأوثانهم ، لا فهذا البلد مكرم لما يحمله من تاريخ الرسالات السماوية . . ولما يحتضنه من رسالة خاتمة ، ونبي خاتم . وفي الآية تفسير آخر يعتبر ( لا ) في الآية السابقة نافية ويكون المعنى : " لا أقسم بهذا البلد المقدس حال كون حرمته قد هتكت والأنفس والأموال والأعراض فيه قد أحلت وأبيحت " . ويكون ذلك - على هذا التفسير - توبيخا وتقريعا لكفار قريش وهم الذين يعتبرون أنفسهم خدمة الحرم وسدنته ، ويكنون له احتراما يفوق كل احترام حتى أن الرجل منهم يرى قاتل أبيه فيه فلا يتعرض له . . . بل حتى قيل إن الرجل يحمل معه شيئا من لحاء أشجار مكة فلا يتعرض له أحد . فلماذا إذن لم تراعوا هذه الآداب والتقاليد في حق النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ ! لماذا تماديتم في إيذائه وإيذاء صحابته ، حتى سولت لكم أنفسكم استباحة دمه ؟ ! وقد ورد هذا التفسير في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام )